الجنوبي
شعر
أمل دنقل
صورة
هلْ أنا
كنتُ طفلاً..
أم أنَّ
الذي كان
طِفلاً سِواي؟
هذهِ
الصُورُ
العائِليَّةُ..
كانَ أبي
جالِساً, وأنا
واقِفٌ..
تَتَدلّى يداي!
رفسةٌ من
فَرَسْ
تركَتْ
في جَبيني
شجّاً,
وعلَّمتِ
القَلبَ أن
يحترِسْ.
أتذكَّرْ..
سالَ دمي
أتذكَرُ.
ماتَ أبي
نازفاً.
أتذكَّرُ..
هذا
الطريقَ الى
قبرِه..
أتذْكرُ..
أُختيَ
الصَّغيرةَ
ذاتَ
الربيعين.
لا
أتذكَّرُ حتى
الطريقَ الى
قبرِها
المُنطَمِسْ
أوكَان
الصبيُّ
الصغيرُ أنا?
أم تُرى
كانَ غيري?
أُحدِّقُ..
لكنَّ
تلكَ
الملامحَ
ذاتَ
العُذوبهْ.
لا
تَنْتَمي
الآنَ لي.
والعيونُ
التي تترقرقُ
بالطِّيبهْ
الآنَ لا
تنتمي لي.
صرتُ
عَني غَريباً.
ولمْ
يتبقَّ من
السَّنواتِ
الغريبِه.
إلاَّ
صَدى اسمي..
وأسماءُ
من أتذكرُهم -
فجأةً -
بينَ
أَعمدةِ
النَّعي,
أولئكَ
الغامِضونَ:
رفاقُ صباي.
يُقبِلونَ
من الصَّمت
وجهاً فوجها..
فيجتمعُ
الشَّملُ
كلَّ صباحٍ,
لكي
نأتنسْ.
أوراق
الغرفة 8
وجه
كان
يسكنُ قلْبي
وأسكنُ
غرفتهُ
نتقاسمُ
نصفَ
السَّريرِ,
ونِصف
الرغيفِ,
ونِصفَ
اللَّفافةِ,
والكتبَ
المُستعارةْ.
هَجَرتهُ
حبيبتهُ في
الصّباح
فمزقَ شريانَه
في المساء,
ولكنّه
بعد يومينِ
مزقَ صورَتها..
واندهشْ.
خاض
حربين بينَ
جُنودِ
المظلاتِ..
لم
يَنخدِشْ
واستراحَ
من الحربِ..
عادَ
ليسكنَ بيتاً
جديداً
ويكسبَ
قوتاً جديداً
يدخَّنُ
علبةَ تبغٍ بكاملِها
ويجادلُ
أصحابَه حولَ
أبخرةِ الشاي..
لكنهُ لا
يطيلُ
الزياره.
عِندما
احتقَنت
لوزتاهُ,
استشارَ
الطَّبيبَ,
وفي
غُرفة
العَمليات..
لم
يَصْطحِب
أَحداً غيرَ
خُفٍ..
وأنبوبةً
لقياسِ
الحرارهْ,
فَجأة
مات!
لم
يحتملْ قلبُه
سَريانَ
المُخدر,
وانسحبتْ
من على وَجهِه
سَنواتُ
العَذابات,
عادَ كما
كانَ طفلاً..
يُشاركُني
في سريري
وفي
كَسرةِ
الخبزِ,
والتبغ,
لكنهُ لا
يشارِكني.. في
المَراره!
وجه
مِنْ
أقاصي
الجنوبِ أتى,
عامِلاً
للبناءْ
كان
يَصعد
"سقَالةً"
ويغنّى لهذا
الفَضاءْ
كنتُ
أجلسُ خارجَ
مقهى قريب,
وبالأعينِ
الشارده..
كنتُ
أقرأُ نصفَ
الصَّحيفه,
والنصفَ
أُخفى به وسخَ
المائِده.
لم أجد
غير عينينِ لا
تبصران..
وخيطَ
الدِّماء.
وانحنيتُ
عليهِ.. أجسُ
يَدهْ
قالَ
آخرُ: لا
فائِده
صار نصفُ
الصحيفةِ
كلَّ الغطاءْ
وأنا.. في
العراءْ
وجه
ليتَ
"أسماءَ"
تعرفُ أن
أباها صَعَدْ
لمْ يمتْ
هل يموتُ
الذي كانَ
يحيا
كأنّ
الحياة أَبد!
وكأنّ
الشرابَ نفدْ!
وكأن
البناتِ
الجميلاتِ
يمشينَ فوقَ
الزَبدْ!
عاش
مُنتصباً,
بينما
ينحني
القَلبُ
يبحثُ عمَّا
فَقَدْ.
ليتَ
"أسماءَ"
تعرفُ أن
أباها الذي..
حفِظَ
الحبُّ
والأصدقاءُ
تصاويرَهُ..
وهو
يَضحكُ,
وهو
يُفكِرُ,
وهو
يفتّشُ عمّا
يُقيمُ
الأودْ.
ليت
"أسماءَ"
تعرفُ أن
البناتِ
الجميلاتِ..
خَبأنه
بين أوراقِهن,
وعلّمنَهُ
أن يسيرَ..
ولا
يلتقي بأحد!
مرآة
- هل
تريدُ قليلاً
من البحر؟
- إن
الجَنوبي لا يطمئنُ
الى اثنينِ يا
سيّدي:
البحرُ -
والمرأة
الكاذِبه.
- سوفَ
آتيكَ
بالرملِ منه
.. وتلاشى
بهِ الظلُّ
شيئاً فشيئاً,
فلم
أستبنهْ
- هل
تريدُ قليلاً
من الخمر؟
- إن
الجَنوبي يا
سيدي يتهيبُ
شيئين:
قنينةَ
الخمرِ -
والآلةَ
الحاسبه.
- سوف
آتيكَ
بالثَّلجِ
منْه.
وتلاشى
به الظلُ
شيئاً فشيئاً..
فلم
أستبْنه.
بعدها لم
أجدْ
صاحبِيَّ
لم يعدْ
واحدٌ منهما
لي بشي
- هل
تريدُ قليلاً
من الصَّبر؟
- لا..
فالجَنوبي
يا سيّدي
يَشتهي أن
يكونَ الذي لم
ْيكُنْه
يشتهي أن
يلاقي اثنتين:
الحقيقةَ
- والأوجهَ
الغائبه.
*****
أوراق
الغرفة 8
الطيور
(1)
الطيورُ
مُشردةٌ في
السَّموات,
ليسَ لها
أن تحطَّ على
الأرضِ,
ليسَ لها
غيرَ أن
تتقاذفَها
فلواتُ
الرّياح!
ربما
تتنزلُ..
كي
تَستريحَ
دقائقَ..
فوق
النخيلِ -
النجيلِ -
التماثيلِ
-
أعمِدةِ
الكهرباء
-
حوافِ
الشبابيكِ
والمشربيَّاتِ
والأَسْطحِ
الخرَسانية.
(اهدأ,
ليلتقطَ
القلبُ
تنهيدةً,
والفمُ
العذبُ
تغريدةً
والقطِ
الرزق..)
سُرعانَ
ما تتفزّعُ..
من نقلةِ
الرِّجْل,
من نبلةِ
الطّفلِ,
من ميلةِ
الظلُّ عبرَ
الحوائط,
من
حَصوات
الصَّياح!
***
الطيورُ
معلّقةٌ في
السموات
ما بين
أنسجةِ
العَنكبوتِ
الفَضائيِّ:
للريح
مرشوقةٌ
في امتدادِ
السِّهام
المُضيئةِ
للشمس,
)رفرفْ..
فليسَ
أمامَك -
والبشرُ
المستبيحونَ
والمستباحونَ:
صاحون -
ليس
أمامك غيرُ
الفرارْ..
الفرارُ
الذي يتجدّد.
كُلَّ صباح!)
(2)
والطيورُ
التي
أقعدتْها
مخالَطةُ
الناس,
مرتْ
طمأنينةُ
العَيشِ
فَوقَ
مناسِرِها..
فانتخَتْ,
وبأعينِها..
فارتخَتْ,
وارتضتْ
أن تُقأقَىَء
حولَ
الطَّعامِ
المتاحْ
ما الذي
يَتَبقي
لهَا.. غيرُ
سَكينةِ
الذَّبح,
غيرُ
انتظارِ
النهايه.
إن اليدَ
الآدميةَ.. واهبةَ
القمح
تعرفُ
كيفَ تَسنُّ
السِّلاح!
(3)
الطيورُ..
الطيورْ
تحتوي
الأرضُ
جُثمانَها..
في السُّقوطِ
الأخيرْ!
والطُّيُورُ
التي لا
تَطيرْ..
طوتِ
الريشَ,
واستَسلَمتْ
هل تُرى
علِمتْ
أن عُمرَ
الجنَاحِ
قصيرٌ.. قصيرْ?!
الجناحُ
حَياة
والجناحُ
رَدى.
والجناحُ
نجاة.
والجناحُ..
سُدى!